الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

28

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

عن مطلب ما ، فلا دليل على عدم تسميته نطقا ، لأن النطق كل لفظ مبين للحقيقة والمفهوم ( 1 ) . ولا نريد أن نقول أن ما يظهر من أصوات الحيوانات عند الغضب أو الرضا أو الألم أو إظهار الشوق لأطفالها هو نطق ، كلا فهي أصوات تقترن بحالات الحيوان . . . إلا أننا - كما سيأتي في الآيات التالية - سنرى بتفصيل أن سليمان تكلم مع الهدهد في مسائل وحمله رسالة . . . وطلب منه أن يتحرى جوابها . وهذا الأمر يدل على أن الحيوانات بالإضافة إلى أصواتها الكاشفة عن حالاتها الخاصة . . . لها القدرة على النطق في ظروف خاصة بأمر الله ، كما سيأتي الكلام في شأن تكلم النمل في الآيات المقبلة إن شاء الله . وبالطبع فإن النطق استعمل في القرآن بمعناه الوسيع ، حيث يبين حقيقة النطق ونتيجته ، وهو بيان ما في الضمير ، سواء كان ذلك عن طريق الألفاظ أو عن طريق الحالات الأخر ، كما في قوله تعالى : هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ( 2 ) إلا أنه لا حاجة إلى تفسير كلام سليمان ومنطق الطير بهذا المعنى . . . بل طبقا لظاهر الآيات فإن سليمان كان بإمكانه أن يعرف ألفاظ الطير الخاصة الدالة على مسائل معينة فيشخصها ، أو أنه كان يتكلم معها فعلا . . وسنتكلم في هذا الشأن في البحوث إن شاء الله تعالى . أما جملة أوتينا من كل شئ فهي على خلاف ما حدده جماعة من المفسرين ، لها مفهوم واسع شامل . . فهي تشمل جميع الأسباب اللازمة لإقامة حكومة الله في ذلك الحين . . وأساسا فإن الكلام سيقع ناقصا بدونها ، ولا يكون له

--> 1 - يقول ابن منظور في لسان العرب : " النطق " هو التكلم ، ثم يضيف " وكلام كل شئ منطقه . ومنه قوله تعالى : علمنا منطق الطير ثم ينقل عن بعض علماء العرب - وهو ابن سيده - أنه " خلافا لما قال بعضهم : إن النطق خاص بالإنسان . فقد يستعمل النطق في غير الإنسان " . وينبغي الالتفات إلى أن الفلاسفة وعلماء المنطق أطلقوا النطق على القدرة على التفكير الذي يعطي الانسان التمكن من الكلام . . . 2 - الجاثية ، الآية 29 .